آخر الأخبار

رياح الحُسُوم.. رسالة تتجدد عبر الزمان

كتبت:آيات مصطفى

ليست كل ريح تهب مجرد تغير في الطقس، وليست كل عاصفة تمر بلا معنى. هناك رياح تهب لتوقظ الغافلين، لتهمس في آذاننا بحكايات من الماضي، لتحمل إلينا رسائل من أزمانٍ سابقة، حيث وقف أناسٌ ذات يوم في زهوهم، يظنون أن قوتهم بلا حدود، وأن الأرض ملكهم لا ينازعهم فيها أحد.

رياح الحُسُوم.. رسالة تتجدد عبر الزمان

لكن، ماذا لو أخبرتك أن هذه الرياح التي نشهدها اليوم تحمل في طياتها صدى قصة قديمة؟ قصة قومٍ عاشوا في مجدٍ لا مثيل له، لكنهم تحدوا خالقهم، فكانت الرياح نفسها التي أعطتهم الحياة، هي ذاتها التي سلبتها منهم.

كل عام، ومع بداية"برمهات" تأتي رياح الحسوم وهي فترة تبدأ يوم 10 مارس و تنتهي يوم 17 من نفس الشهر ، تعود هذه الرياح، وكأنها رسالة متجددة، توقظ فينا تساؤلًا أبديًا: هل القوة في العظمة الظاهرة، أم في القرب من الله؟

حين تعصف الرياح.. وتأتي الرسائل من السماء

مع حلول أول أيام "برمهات"، اعتدنا أن نشهد رياحًا عاتية وتقلبات جوية مفاجئة، وكأنها تأتي في موعد ثابت لا يتغير، تمامًا كما أخبرنا الله في كتابه الكريم. 

إنها ليست مجرد رياح عادية، بل هي رسالة سماوية متجددة، تذكرنا بقومٍ عاشوا ذات يوم، وظنوا أن قوتهم ستحميهم من كل شيء، حتى جاءهم أمر الله.

من هم قوم عاد؟

في زمن بعيد، عاش قومٌ بلغوا من القوة والعظمة مبلغًا لم يسبق له مثيل. كانوا جبابرة في الخلق، أصحاب حضارة شامخة ومدن فاخرة، لدرجة أن الله وصف مدينتهم بقوله:

﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ (الفجر: 7-8).

لكنهم رغم ذلك كفروا بالله، وظنوا أن لا قوة تفوق قوتهم، فقالوا مستهزئين بدعوة نبيهم هود عليه السلام:

﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾

فجاءهم الرد من الله، الذي خلقهم وأحكم صنعهم، بقوله:

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ (فصلت: 15).

عاقبة التكبر والاستكبار

وحين طغوا وتجبروا، أرسل الله عليهم عقابًا لا يُرد، لم يكن جيشًا جرارًا ولا زلزالًا مدمرًا، بل مجرد ريح! لكنها لم تكن أي ريح، بل ريحٌ عاتية استمرت سبع ليالٍ وثمانية أيام بلا توقف، تقلبهم في الهواء، ثم تلقي بهم على الأرض جثثًا خاوية، حتى صاروا كأنهم جذوع نخلٍ ميتة:

﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾ (الحاقة: 6-8).

لماذا تتكرر هذه الرياح كل عام؟

إن رياح الحسوم التي نشهدها اليوم ليست بنفس الشدة التي عاقب الله بها قوم عاد، لكنها تبقى رسالة تذكير لنا. 

كل عام، تعصف بنا رياح قوية في نفس الموعد تقريبًا، وكأنها درس متكرر، يخبرنا أن القوة ليست في العضلات، ولا في المباني الشاهقة، ولا في التكنولوجيا المتطورة، بل في القرب من الله.

نحن نختبئ في بيوتنا الهشة، مقارنةً بمدن عاد العظيمة، لكننا نعلم أن الحامي الحقيقي هو الله، كما قال سبحانه:

﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (يوسف: 64).

الدرس الذي يجب أن نتعلمه

كلما هبت رياح الحسوم، فلنتذكر أن القوة الحقيقية هي الإيمان، وأن الدنيا مهما زينت لنا مظاهرها، فهي زائلة. قوم عاد كانوا الأقوى، لكنهم لم يبقَ منهم أحد.

لذا، لا تتكبر، ولا تغتر بقوتك، بل استمد قوتك من الله، فهو الذي بيده الأمر كله، وهو القائل:

﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (الذاريات: 58).

فلتكن هذه الرياح تذكرةً لنا جميعًا بأن القوة لله وحده، وأن الملجأ الحقيقي هو التوكل عليه، والثبات على طاعته.

رياح الحُسُوم.. رسالة تتجدد عبر الزمان

حين تهدأ الرياح.. تبقى العبرة

تمر الأيام، وتنقشع العواصف، لكن الرسائل السماوية لا تبهت أبدًا. تظل الرياح شاهدة على من يعتبر، وتظل آيات الله قائمة، تذكرنا بأن القوة الحقيقية ليست في العضلات المفتولة، ولا في القصور المشيدة، بل في القلوب العامرة بالإيمان.

كم من أمةٍ ظنت أنها خالدة، فسقطت، وكم من فردٍ اعتقد أنه لا يُقهر، فهوت به ريحٌ لا تُرى! نحن اليوم نحتمي في بيوتٍ من الإسمنت، بينما عاد احتموا في أعمدة لم يخلق مثلها في البلاد، لكن هل حمتهم؟

الريح تهدأ، والسماء تصفو، لكن السؤال يبقى: هل فهمنا الرسالة؟



آيات مصطفى علي
آيات مصطفى علي
مؤسسة موقع ومُدونة روائع الكتب للترويج الإلكتروني، المدير التنفيذي لجريدة سبأ نيوز الإخبارية، كاتبة أدبية وصانعة محتوى لدى عدة مواقع إلكترونية، منسق إعلامي لشخصيات عامة، وموديريتور لعدة صفحات إلكترونية، مؤسس وأدمن جروب أولياء أمور وطلبة جميع مدارس الإسكندرية
تعليقات